الطريق إلى عدم اليقين: الدمار يسود طرق الهجرة عبر اليمن

Published Date: 
Monday, May 31, 2021

لحج، اليمن - جلس على السرير، محدقًا من النافذة وهو يرفع ببطء إحدى رجليه من الأرض ليضعها على الفراش. بدت ساقه أثقل، إلى حد ما، لتحريكها بشكل مريح، لكنه في النهاية أكمل المهمة الصغيرة. عندما دخل الناس الغرفة، نظر بفتور نحو الباب، وأومض بعينيه المتعبتين بينما كان يتنفس بصوت مسموع.

تشبث جلده بعظامه الناتئة لتبدي الألم الذي يعانيه.

لقد مرت شهور منذ أن لامس جسده فرشاً. لم يكن المهربون ليتيحوا له مثل هذه الراحة البسيطة. وعلى الرغم من أنه في أمان بمستشفى لحج يتلقى الرعاية من خلال دعم المنظمة الدولية للهجرة والاتحاد الأوروبي للحماية المدنية والمساعدات الإنسانية، إلا أن كل شيء مألوف وباعث على الطمأنينة بالنسبة له لا يزال على بعد حوالي 1000 كيلومتر وفي مكان بعيد. وما انفكت عن ذهنه ذكريات الفظائع الأخيرة: شهور من الضرب المبرح والتجويع القسري على أيدي العصابات الإجرامية.

بدأت رحلة محمد* في إثيوبيا بطموح لإنهاء فقر عائلته الذي امتد لأجيال. لم يتوقع أبدًا أن يؤدي هذا الطموح إلى تجربة الاقتراب من الموت وإهدار آلاف الدولارات.

للأسف، قصته ليست فريدة من نوعها.

فكما هو الحال مع مئات الآلاف من المهاجرين الآخرين من القرن الأفريقي خلال السنوات القليلة الماضية، كان محمد يحاول الوصول إلى المملكة العربية السعودية. فعادةً ما يأمل الأشخاص الذين يسلكون هذا الطريق في الوصول إلى وجهتهم لمساعدة أسرهم على الازدهار إلى حدٍ ما. ليس لدى معظمهم أدنى فكرة عن التجارب التي سيتعين عليهم مقاساتها أولاً قبل أن يصلوا إلى مبتغاهم.

وغالباً ما يأتي المهاجرون من إثيوبيا ويسافرون نحو السواحل الصومالية أو الجيبوتية، حيث يواجهون الإرهاق والجفاف على طول الطريق، مما يؤدي إلى وفاة عدد غير معروف من الناس. وعند عبورهم خليج عدن، يُحشَرون في قوارب المهربين، حيث يتعرض البعض للاختناق أو الغرق. وبمجرد وصولهم إلى اليمن، يحتجز المهربون العديد من المهاجرين من أيام إلى شهور. ويتعرض معظمهم للضرب المبرح بينما تُجبر أسرهم على دفع الفدية.

"في أحد الأيام جاء مهرب إلى الحقل حيث نعمل أنا وصديقي. أخبرنا أنه يمكن أن يأخذنا إلى المملكة العربية السعودية للعثور على عمل وأننا سنكون أغنياء في غضون عام وقادرين على بناء فيلات لعائلاتنا." هذا ام قاله إبراهيم*، رجل إثيوبي يبلغ من العمر 20 عامًا، صدَّق أكاذيب المهربين، كما هو الحال مع محمد، فترك مزرعة عائلته للبصل - مع مشاعره البريئة - في إثيوبيا.

في نقطة استجابة المهاجرين التابعة للمنظمة الدولية للهجرة في عدن، أوقف محمود سيارة العيادة المتنقلة بالقرب من المدخل، مما سهل على زميله، الدكتور ياسر، تحميل الإمدادات الطبية اللازمة لعملهم اليومي الشاق. كما قدم الممرض عبد الله والمترجم أحمد المساعدة للطبيب في الاستعداد.

يبدأ الفريق الطبي المتنقل التابع للمنظمة الدولية للهجرة يومه في حوالي الساعة 7:30 صباحًا، حيث انطلقوا إلى ساحل لحج، بالقرب من المستشفى الذي يتلقى محمد فيه العلاج.

"نبدأ مبكرًا كل صباح بطموح متجدد لعلاج المهاجرين الضعفاء ومساعدتهم في طريقهم لعيش حياة كريمة" أوضح الدكتور ياسر قائد الفريق، وهو يدير عيادة صحية طارئة للمهاجرين الوافدين حديثًا من جيبوتي على الساحل بالقرب من رأس العارة في لحج.

يسافر الفريق المتنقل أربع ساعات في كل اتجاه في طقس قاسي وحار وأحياناً عواصف رملية للوصول إلى مرضاهم المرهقين. وعلى المدى الطويل، يخشون من الحوادث أو المجرمين، لكنهم مصممون دائمًا على الوصول إلى وجهتهم.

وأضاف الدكتور ياسر:"إنه شعور جميل أن تنقذ حياة شخص ضعيف. للمهاجرين الحق في الرعاية الصحية مثلنا جميعًا. عندما أفكر في تفشي الكوليرا هنا في اليمن، في بعض الأحيان كان لدينا حرفيًا دقائق لإنقاذ الأرواح."

بعد مغادرة مزرعة عائلته للبصل، سافر إبراهيم إلى اليمن وأصبح أحد مرضى الدكتور ياسر.

ويحكي إبراهيم والدموع في عينية: "مشينا لعدة أيام. مات الناس على طول الطريق من شرب المياه الملوثة. لقد دفنت ستة أشخاص. في جيبوتي، حشروا 250 منا في شاحنة. أولئك الذين ماتوا تم رميهم بلا رحمة."

وبعدها حشر إبراهيم في قارب صغير. عندما وصلوا بالقرب من الساحل اليمني، أجبره المهربون على السباحة وسط الأمواج العاتية. بحلول الوقت الذي وصل فيه إلى الشاطئ، كان بحاجة ماسة للرعاية الصحية. حرص الدكتور ياسر وزملاؤه على مساعدته.

منذ بداية جائحة كورونا، انخفض عدد المهاجرين الوافدين إلى اليمن. ومع ذلك، تقطعت السبل بأكثر من 32,000 مهاجر في جميع أنحاء البلاد ، بعضهم محتجزون في مركز احتجاز أو في قبضة المهربين. ويلتقي الفريق المتنقل بالمزيد من المهاجرين الجرحى الذين احتجزهم المهربون لفترات طويلة.

وأخبر أحد المهاجرين الفريق الطبي المتنقل عن تجربته مع المهربين: "في اليمن أخذنا المهربون بالقوة. في حوش الاحتجاز، كنا نرى جثث الناس ملطخة بالدماء من التعذيب. بدأوا في ضربنا وأجبرونا على الاتصال بأسرنا، وطلبوا منهم إرسال 1500 دولار أمريكي. اتصلت بأسرتي وفي اليوم التالي أرسلوا 300 دولار أمريكي. كان هذا كل ما يمكنهم تأمينه."

وأضاف المهاجر: "اعتاد المهربون تعليقنا من إحدى الرجلين، والتناوب على ضربنا. حتى النساء والفتيات يتعرضن للضرب. تعرضت فتاة واحدة للاعتداء من قبل سبعة رجال. ونظرًا لأن عائلتي أرسلت 300 دولارًا أمريكيًا فقط أولاً فقد اضطررت للبقاء هناك لأسابيع حتى أرسلوا 1200 دولار أخرى." وفي حالة إبراهيم، أُجبرت عائلته على بيع مزرعة البصل الخاصة بهم لضمان إطلاق سراح ابنهم.

لا يحصل معظم المهاجرين على الرعاية الطبية التي يحتاجون إليها بعد معاناتهم على أيدي المهربين القاسية. فأولئك الذين وصلت إليهم الفرق الصحية للمنظمة الدولية للهجرة محظوظون.

تساعد الفرق الطبية المتنقلة الثلاث التابعة للمنظمة الدولية للهجرة ما معدله 1200 شخص شهريًا في ثلاثة مواقع: واحد على طول سواحل عدن ولحج والآخر في شبوة والثالث في مأرب، والتي شهدت تصعيدًا في أعمال العنف الأخيرة.

يتلقى المهاجرون جلسات توعية صحية، ودعم الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، والإحالات إلى المرافق الصحية القريبة بالإضافة إلى الغذاء والماء ومواد الإغاثة الأساسية الأخرى.

عندما وصل محمد إلى المستشفى في لحج، كان على وشك الموت. أحضره المهربون لتجنب التعامل مع جثته.

"لم أكن أعتقد أننا سنكون قادرين على إنقاذه بسبب حالته المتقدمة، بما في ذلك سوء تغذيته،" علَّق الدكتور ياسر، الذي أوضح أن هذه كانت واحدة من أكثر الحالات الوخيمة التي شاهدها في سنوات عمله الصحي.

لم يأكل محمد وجبة مناسبة لمدة سبعة أشهر.

بمجرد أن تحسن، تم إحضار محمد إلى أسرة مستضيفة تابعة للمنظمة الدولية للهجرة في عدن للتعافي بشكل مريح مع المهاجرين الضعفاء الآخرين. من المحتمل أن يعود إلى إثيوبيا عندما يكون في حالة جيدة. مثل كثيرين غيره، كان الحلم الذي روجه له المهربون عن الرحلة السهلة والحياة في المملكة العربية السعودية بعيدًا عن الواقع.

أصبح الدعم المنقذ للحياة الذي قدمته المنظمة الدولية للهجرة لمحمد وإبراهيم وآلاف المهاجرين الآخرين المحتاجين إلى المساعدة الطبية والحماية في جميع أنحاء اليمن ممكنًا من خلال الشراكة مع الاتحاد الأوروبي للحماية المدنية والمساعدات الإنسانية .